أحمد بن محمد مسكويه الرازي

302

تجارب الأمم

ذكر ما آلت إليه أمورهم كانت البجّة لا تغزو المسلمين ولا يغزوهم المسلمون لهدنة بينهم قديمة [ 335 ] وهم جنس من أجناس الحبشة وفى بلادهم معادن ذهب . فهم يقاسمون من يعمل فيها ويؤدّون إلى عمّال مصر في كلّ سنة شيئا معلوما . فلمّا كان في أيّام المتوكّل امتنعت البجّة عن أداء ذلك الخراج سنين متوالية وهذه المعادن منها ما هو على التخوم فيما بين أرض مصر وبلاد بجّة . فقتلوا عدّة من المسلمين ممّن كان يعمل في المعادن ويستخرج الذهب ، وسبوا عدّة من ذراريهم ونسائهم . وذكروا أنّ المعادن لهم في بلادهم وأنهم لا يأذنون للمسلمين في دخولها ، وانّ ذلك أوحش المسلمين الذين كانوا يعملون هناك حتّى انصرفوا عنه ، فانقطع ما كان يؤخذ للسلطان بحقّ الخمس الذي كان يستخرج من المعادن . فلمّا بلغ ذلك المتوكّل أحفظه ، وشاور في أمر البجّة فأنهى إليه أنّهم قوم أهل بدو وأصحاب إبل وماشية ، وأنّ الوصول إلى بلادهم صعب لا يمكن أن تسلك إليهم الجيوش لأنّها مفاوز وصحار ، وبين أرض الإسلام وبينها مسيرة شهر في أرض قفر وجبال وعرة لا ماء فيها ولا زرع ولا معقل ولا حصن ، وأنّ من يدخلها من أولياء السلطان [ 336 ] يحتاج أن يتزوّد لجميع من معه المدّة التي يتوهّم أنّه يقيمها في بلادهم حتّى يخرج إلى أرض الإسلام . فإن تجاوز تلك المدّة هلك وجمع من معه وأخذتهم البجّة بالأيدي دون المحاربة ، وأنّ أرضهم لا تردّ على السلطان شيئا من خراج ولا غيره . فأمسك المتوكّل عن التوجيه إليهم وجعل أمرهم يتزيّد وحربهم يكثر حتّى خاف أهل الصعيد من أرض مصر على أنفسهم وذراريّهم . فولَّى المتوكّل محمد بن عبد الله القمي محاربتهم وولَّاه معادن تلك الكور ، وتقدّم إليه في